فوزي آل سيف

455

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

على أنه معنيّ بها، ولم يجب العدول إلى غيره والاعتراف بإمامته لوجود الاختلاف في ذلك وعدم الاتفاق وما يقوم مقامه من البرهان. وأمّا السنة فإنا وجدنا النبيّ استقضى عليّا على اليمن،وأمّره على الجيوش، وولاه الأموال، وأمره بأدائها إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد ظلما، واختاره لأداء رسالات الله سبحانه والإبلاغ عنه في سورة براءة، واستخلفه عند غيبته على من خلّف، ولم تجد النبي سن هذه السنن في أحد غيره، ولا اجتمعت هذه السنن في أحد بعد النبي كما اجتمعت في علي، وسنة رسول الله بعد موته واجبة كوجوبها في حياته، وإنما يحتاج الأمة إلى الإمام بهذه الخصال التي ذكرناها، فإذا وجدناها في رجل قد سنها الرسول فيه كان أولى بالإمامة ممّن لم يسن النبي فيه شيئا من ذلك. وأما الإجماع فإن إمامته ثبتت من جهته من وجوه: منها أنهم قد أجمعوا جميعا أن عليا قد كان إماما ولو يوما واحدا، ولم يختلف في ذلك أصناف أهل الإمامة ثم اختلفوا فقالت طائفة: كان إماما في وقت كذا وكذا، وقالت طائفة: بل كان إماما بعد النبي، في جميع أوقاته، ولم يجمع الأمة على غيره أنه كان إماما في الحقيقة طرفة عين، والإجماع أحق أن يتبع من الاختلاف. ومنها أنهم أجمعوا جميعا على أن عليا كان يصلح للإمامة، وأن الإمامة تصلح لبني هاشم، واختلفوا في غيره، وقالت طائفة: لم يكن تصلح لغير علي بن أبي طالب، ولا تصلح لغير بني هاشم، والإجماع حق لا شبهة فيه، والاختلاف لا حجة فيه. ومنها أنهم أجمعوا على أن عليا كان بعد النبي ظاهر العدالة واجبة له الولاية، ثم اختلفوا فقال قوم: كان مع ذلك معصوما من الكبائر والضلال، وقال آخرون: لم يكن معصوما ولكن كان عدلا برا تقيا على الظاهر، لا يشوب ظاهره الشوائب؟ فحصل الإجماع على عدالته، واختلفوا في نفي العصمة عنه. ثم أجمعوا جميعا على أن أبا بكر لم يكن معصوما، واختلفوا في عدالته فقالت طائفة: كان عدلا، وقال آخرون: لم يكن عدلا، لأنه أخذ ما ليس له، فمن أجمعوا على عدالته واختلفوا في عصمته أولى بالإمامة وأحق ممن اختلفوا في عدالته وأجمعوا على نفي العصمة عنه [283]. ولمزيد من تسليط الضوء على شخصية هذا العالم العبقري نفتح صفحات من كتابه (العلل). لنرى فيه الخط الوسط الصحيح الذي تنهجه مدرسة أهل البيت ( في مسألة العقل، بين إفراط المعتزلة الذين حشروا (أنف) العقل في كل مكان، حتى كادوا أن يؤلهوه، ولم يمنعوه من ـ الدخول إلى أية أرض، فكان أن نتج عن ذلك مناهج في الفقه كالقياس والاستحسان وأمام هذه قال أهل البيت: إن دين الله لا يصاب بالعقول وبين تفريط الأشاعرة الذين اعتبروا العقيدة والشريعة (منطقة ممنوعة) على العقل، وحرموا عليه الدخول حتى إلى بيته، فكان أن نسبوا إلى الله ما يأباه لعباده، في العقيدة، وأن ابتلوا بالتناقض في تحليل الأخبار في الشريعة. فها هو الفضل بن شاذان يتحدث عن علل الشرائع وحكمها، إذ أوامر الشرع لما كانت صادرة عن الحكيم فلا يمكن أن تكون عن عبث، ولكن تارة يفهم العبد تلك الحكم وأخرى لا يصل عقله وجهده لها، وهنا لا يجوز له إنكارها أو عدم العمل بها لأنه لم يعرف تلك الحكم.. بل يرجع في ذلك إلى أهلها الراسخين في العلم الذين يعلمون التأويل من جدهم. فقد قال الفضل بن شاذان النيسابوري: إن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز أن يكلف الحكيم عبده فعلا من الأفاعيل لغير علّة ولا معنى؟ قيل له: لا يجوز ذلك لأنه حكيم غير عابث ولا جاهل. فإن قال: فأخبرني لم كلّف الخلق؟ قيل: لعلل. فإن قال: فأخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي أم غير معروفة ولا موجودة؟ قيل: بل هي معروفة وموجودة عند أهلها.

--> 283  / بحار الأنوار 10/ 376.